
قِصةُ الصافِنَاتِ الْجِيَاد
(وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ)
بهذه الكلمات يُجلي الله سبحانه تلك الصورة التي شوّهها اليهود حول نبي الله سليمان(ع) إذ أنهم يتهمونه بالخطأ الكثير وهو بريء من هذه التهمة جملةً وتفصيلاً، بل نِعم العبد، وهذه شهادة من رب العالمين في حق عبده سليمان الأواب، أي الذي يستغفر ويذكر ربه كثيراً عند أية غفلة.
وما سيأتي من كلام بعد قليل يُثبت لنا هذه الحقيقة رغم وجود اختلاف كبير في آراء المفسرين حول تلك الحادثة الشهيرة عندما جرى عَرضٌ لقوة سليمان وكثرة خيوله الأصيلة.
وكالعادة فإنني سوف أنقل إليكم أصح تلك التفاسير استناداً إلى ما ذكره كبارهم من علمائنا المعاصرين والماضين.
والقرآن الكريم في الآية المذكورة يتعرّض لذكر ذلك العرض العسكري لإظهار قوة سليمان، وقد احتملت هذه الآيات أكثر من وجهٍ للتفسير.
فالصافنات هي الخيول الأصيلة التي تقف على ثلاث قوائم وتكون مستعدة في أية لحظة للإنطلاق، والجياد هي الخيول السريعة التي تجود في الركض كما يجود الكريم بالعطاء.
(فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)
ففي يوم من الأيام في وقت العصر استعرض سليمان خيوله الأصيلة يمتطيها الفرسان بشكل منسّق ومنظم، وقد صرّح بأنه يحب الخير، ولفظ الخير عند العرب يُطلق على الخيل.
وحبُّ سليمان لتلك الخيول لم يكن حباً لذاتها، بل أحبها لأنها سوف تكون وسيلة للإنتصار على الباطل، فيكون مردُّ هذا الحب إلى الله وليس إلى الدنيا وزخارفها كما توهّم البعض.
واستمر سليمان بالنظر إليها حتى توارت عن أنظاره وكانت كثيرة إلى حدٍّ لا يُحصى.
ولشدة استئناسه بها أعاد الإستعراض مرة أخرى، ثم راح يعبّر عن حبه لها بمسح سوقها وأعناقها وهو تعبير عن تقديره لها وللفرسان(رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ)
وأما قوله(عَن ذِكْرِ رَبِّي) معناه أن حبي للخيول ناشيء من ذكر ربي، وليس المعنى أنه يحبها أكثر من حبه لذكر الله.
فلو كان سليمان قد فعل أي قبيح أو كان يحب الدنيا كما توهّم البعض لَما مدحه الله قبل ذلك وأثنى عليه، ومدح الله له يصرف عن أذهاننا المعنى السلبي لتلك الحادثة.
لقد حاول الكثيرون أن يسيئوا إلى نبي الله سليمان لعدم فهمهم للحادثة المذكورة فادعى بعضهم بأنه التهى بالنظر إلى الخيل عن صلاة العصر فطلب من الملائكة أن ترد الشمس حتى يصلي ثم قطع أعناق الخيل، وهذا كله لا يتوافق مع مقام هذا النبي الكريم، ولا شك بأنّ يد الإسرائيليات قد دخلت إلى قلب هذا الحدث لتشوّه بسمعة هذا النبي الذي حُسد من قِبل الكثيرين على ما أعطاه ربه من النعم التي لا تُحصى حيث منّ الله عليه بملكٍ لا ينبغي لأحد من بعده.
لقد حاولوا أن يشبّهوه بأعتى الملوك لأن قتل الخيول جريمة أخلاقية وتبذير وإسراف، وسليمان معصوم لا يُقدم على أي خطأ، ولهذا يجب الحذر من تلك الأفخاخ وخطورة ناصبيها الذين لم يقفوا عند هذه الحدود وإنما لوثّت أيديهم القذرة الكثير من المفاهيم والأحداث.
الشيخ علي فقيه



